
أنا المغترب…
انه الرابع من تشرين الثاني , يوم ممطر بعض الشيئ , حرب العواصف لازالت قائمة , الغيوم الملبدة هي سقف المعركة , اعتدت أن أصحو من نومي محضرا ً القهوة التركية , وأبدأ بقراءة الجريدة , وأنا أحتسي القهوة وأمامي دفتر ملاحظاتي , الذي فيه مواعيدي , وكلها عادات غربية مقتبسة , فنحن العرب لا نبدأ يومنا بصباح كهذا , فالصباح العربي يبدأ على صوت صياح الديك , وعلى رائحة خبز الطابون المميزة,والتي أينما ذهبت لا تجد لها مثيل , وعلى جمعة العائلة على مائدة واحدة , ولكن في اسبانيا (الأندلس سابقاً ) , لا أثر للعادات اوالأنظمة العربية , لأنها انقرضت بانتهاء عهد العرب ومجدهم السابق …
لا مواعيد حتى الواحدة ظهراً , فاقترحت على نفسي بنزهة صباحية في المتنزه المجاور للحي الذي أسكنه , فأعددت نفسي جيدا ً لأن البرد قد يسبب لي المرض , أمشي بخطوات تلهم مشاهدي بأني شخص هادئ , والحقيقة بأنني كسول بعض الشيئ , أتأمل ما حولي مستمتعاً بروعة المنظر , فأنا أعشق هكذا جو ممزوج بنهاية الخريف وأوائل الشتاء , يرسم أمامي صورة فنية في غاية الجمال .
أنظر فأرى شخصا ً قادماً من بعيد, أسأل ذاكرتي عنه , فأنا أشك بأنني رأيته من قبل , ولكنها خيبت أملي , ولم تجبني أين ومتى رأيته .. , وربما كانت هذه بداية ظاهرة النسيان التي يصاب بها من هم في أوائل الأربعين مثلي ….
كان يمشي بحركة بطيئة , بمحاذاة بركة توسطت المتنزه , يرتدي معطفاً طويلاً أسود , وقبعة على رأسه , ويصطحب معه حقيبة جلدية ,إن مظهره يوحي لي بأنه أحد الأغنياء , يمشي ويمشي ليصل الى ذاك المقعد الخشبي الذي تعلوه شجرة توت , والتي أسقطت أوراقها هنا وهناك , وزينت المقعد , فقد أضفت على المكان جمالاً طبيعا ً, يرافقها صوت الشجر الذي تعانقه الرياح , فيعزف موسيقى رائعة , أكملت روعة اللوحة الفنية ..
لازلت أتساءل أين رأيت ذاك الشخص , أحاول تذكر الحدث أو المكان الذي جمعني به , لكن ذاركتي تأبى الإجابة , فأخذت أنظر اليه , محاولاً عدم لفت انتباهه , وهو يخرج ذاك الدفتر صاحب الأوراق الصفراء المائلة للبني , تحمل الطراز القديم , ويخرج قلمه بهدوء تام , ويباشر بالكتابة , وبين الفينة والأخرى ينظر أمامه متأملاً قفصاً فارغاً , يبدو أن أحدهم أخرج ما به من طير , يتأمل ويتابع الكتابة ….
صدقاً احترت في أمره , فقررت أن أذهب له لأتعرف عليه , لعله يتذكرني ويُذكرني بالمكان الذي التقيته فيه , أمشي بخطوات مترددة , وما أن وصلت الى المقعد , طلبت أن يسمح لي بمجاورته , والجلوس بمحاذاته , وكان ذلك باللغة الإسبانية , لكنه لم يكترث لأمري , فاعتقدت أنه لم يسمعني , لأنه من الواضح أنه يصب كل تركيزه بما يكتب ….
الفضول يجبرني على أن أحدثه , لكنه مشغول , فكيف أبدأ الحديث معه ,احترت في ذلك , ولكني تظاهرت بتأمل المكان لبرهة , ونقلت نظري لأسترق نظرة الى مايكتب فوجده بالعربية , فصدمت لذلك , وما كان مني الى أن أتبعت نظرتي بسؤالي له : هل أنت عربي ؟ فتوقف فجأة عن الكتابة لأنه دهش لسؤالي له باللغة العربية , ونظر لي باستغراب مجيبا ً : نعم ..
اعتقدت أنه سيسألني أي شيئ , كوني شخص عربي مثله , ولكنه لم يفعل بل إلتزم الصمت , وربما يعتقد بأن الأمر عادي لأن اسبانيا تحتضن الكثير من العرب , وفجأة أخرج علبة سيجار أمريكي فاخر , وأشعل واحدة , وبحركة بطيئة متكاسلة أغلق الدفتر , وأنا أراقبه فإذا بصورة خارطة فلسطين تغلف دفتره , ويضع أغراضه في حقيبته , ويتركها ويقف , ثم يمشي
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ